الفيض الكاشاني

403

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

فيكون له في اللَّيل نومتان وقومتان وهو من مكابدة اللَّيل وأشدّ الأعمال وأفضلها وقد كان هذا من أخلاق رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وهو طريقة أولي العزم من الصحابة وجماعة من التابعين ، وكان بعض السلف يقول : هي أوّل نومة فإذا انتبهت ثمّ عدت إلى النوم فلا أنام اللَّه عيني ، فأمّا قيام رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فلم يكن على ترتيب واحد من حيث المقدار بل ربما كان يقوم نصف اللَّيل أو ثلثه أو ثلثيه أو سدسه يختلف ذلك في اللَّيالي ودلّ عليه قوله تعالى في موضعين من سورة المزّمّل قوله عزّ وجلّ : « إنَّ ربّك يعلم أنّك تقوم أدنى من ثلثي اللَّيل ونصفه وثلثه » ( 1 ) فأدنى من ثلثي اللَّيل كأنّه نصفه ونصف سدسه [ 1 ] فإن كسر قوله تعالى : « ونصفه وثلثه » كان نصف الثلثين وثلثه فيقرب من الثلث والربع وإن نصب كان نصف اللَّيل وثلثه ، وقد قالت عائشة : « كان صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يقوم إذا سمع الصارخ - تعني الدّيك - » ( 2 ) وهذا يكون السدس فما دونه وروى غير واحد أنّه قال : « راعيت صلاة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في سفر ليلا فنام بعد العشاء زمانا ثمّ استيقظ فنظر في الأفق فقال : « ربّنا ما خلقت هذا باطلا - حتّى بلغ - إنّك لا تخلف الميعاد » ثمّ استلّ من فراشه سواكا فاستاك وتوضّأ وصلَّى حتّى قلت : صلَّى مثل ما نام ثمّ اضطجع حتّى قلت : نام مثل ما صلَّى ثمّ استيقظ فقال ما قال أوّل مرّة وفعل ما فعل أوّل مرّة » ( 3 ) . أقول : وقد نقلنا عن الصادق عليه السّلام في الصحيح والحسن تفصيل قومات رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وصلواته ونوماته فلا حاجة إلى إعادتها ، قال : « المرتبة السادسة وهي الأقلّ أن يقوم مقدار أربع ركعات أو ركعتين أو تتعذّر عليه الطهارة فيجلس مستقبل القبلة ساعة مشتغلا بالذكر والدّعاء فيكتب في جملة قوّام اللَّيل

--> ( 1 ) المزمل : 20 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الصحيح ج 2 ص 167 وأبو داود نحوه ج 1 ص 303 . ( 3 ) أخرجه عبد اللَّه بن أحمد في زوائد المسند والطبراني في الكبير والحاكم في الكنى والبغوي في معجم الصحابة عن صفوان بن المعطل السلمي باختلاف في اللفظ كما في الدر المنثور ج 2 ص 110 . وأيضا رواه البغوي في معالم التنزيل ذيل الآيات بلفظ آخر عن ابن عباس . [ 1 ] كذا وفي الاحياء « كأنه نصف سدسه » .